الموقع الرسمي للدكتور محمد محمود كالو

ياله من دين لو كان له رجال


هذا الموقع محاولة للتواصل مع الأمة على امتدادها في أرض الله الواسعة، من خلال هذا المنبر العام الذي يعمل على مدار الساعة،( الشبكة العنكبوتية ) والذي أحسبه صورة من صور تأويل قوله صلى الله عليه وسلم: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل به الكفر) ووسيلة من وسائل تحقيقه في هذا الزمان

ركائز النهضة في ضوء القرآن الكريم
ملخص ورقة البحث التي تقدم بها د. محمد محمود كالو بعنوان: ( ركائز النهضة في ضوء القرآن الكريم ) - في مؤتمر القرآن الكريم و مقومات النهضة - المنعقد في عمان ـ الأردن بتاريخ: 25 ـ 26 / 9 / 2010م

لكي لا يعلم .. لكيلا يعلم

 

قال الله تعالى:{ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً } [سورة الحج :5].

وقال سبحانه وتعالى:{ لكي لا يعلم بعد علم شيئاً } في [سورة النحل: 70].

 

كتبت (لكيلا) في آية سورة الحج بالوصل وفي الآية المشابهة لها من سورة النحل بالقطع (لكي لا) والسر في هذا الوصل وذاك القطع في الآيتين يعود إلى مقدمة كل آية منهما.


ففي بداية آية سورة الحج يبين الله تعالى للمنكرين للبعث، ويذكرهم بكيفية وجودهم في الحياة، ومراحل الضعف التي مروا بها؛ فبدايتهم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم يخرج بعدها طفلاً لا يعلم شيئًا، ثم يعطيه تعالى من العلم والقوة حتى يبلغ أشده، وبعدها إما موت مبكر، وإما بلوغ أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئًا.


ففصل الله تعالى مراحل عمره وكلها في الضعف إلى مرحلة واحدة؛ هي بلوغ أشده من بين تلك المراحل، وفي نهاية أمره ينتهي إلى ما بدأ فيه من الضعف، فهو يمر بسلسلة متواصلة من الضعف، فبداية الإنسان ونهايته متواصلة في الضعف، ولبيان هذا التواصل في الضعف كتبت (لكيلا) موصولة.

 

وأما قطعها في سورة النحل  ( لكي لا ) فإن مقدمة الآية أيضاً تكشف سر هذا القطع؛ فقد بين الله تعالى أنه خلقنا فأعطانا الحياة، ثم ينزع منا الحياة بالوفاة، وأعطانا العلم، ثم ينزعه ممن بلغ أرذل العمر منا؛ فالعلم أعطي ثم قطع كما أعطيت الحياة ثم قطعت بالوفاة، لذلك كتبت ( لكي لا ) مقطوعة لتبين هذا القطع الذي حدث للعلم.

 

ولم يؤت بـ ( من ) التبعيضية في آية سورة النحل كما جيء بها في آية سورة الحج، لأن آية سورة الحج تبين تواصل الضعف عليه وبقي من العلم القليل، أما في آية سورة النحل فقد قطع هذا العلم فلم يبق منه شيء.

 

قال البقاعي (ت 885 هـ) في تفسيره نظم الدرر في تناسب الآيات والسور:

" ولما كان السياق للقدرة على البعث الذي هو التحويل من حال الجمادية إلى ضده بغاية السرعة، أثبت " من " الابتدائية للدلالة على قرب زمن الجهل من زمن العلم، فربما بات الإنسان في غاية الاستحضار لما يعلم والحذق فيه فعاد في صبيحة ليلته أو بعد أيام يسيرة جداً من غير كبير تدريج لا يعلم شيئاً، وأفهم إسقاط حرف الانتهاء أنه ربما عاد إليه علمه، وربما اتصل جهله بالموت بخلاف ما مضى في النحل فقال: { من بعد علم } كان أوتيه { شيئاً } بل يصير كما كان طفلاً في ضعف الجواهر والأعراض، لتعلموا أن ذلك كله فعل الإله الواحد المختار، وأنه لو كان فعل الطبيعة لازداد بطول البقاء نمواً في جميع ذلك، وقد علم - بعود الإنسان في ذهاب العلم وصغر الجسم إلى نحو ما كان عليه في ابتداء الخلق - قطعاً أن الذي أعاده إلى ذلك قادر على إعادته بعد الممات، والكون على حال الرفات".

وقال ابن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسيره التحرير والتنوير :

" وقوله { من بعد علم } أي بعدما كان علمه فيما قبل أرذل العمر.

و(مِن) الداخلة على (بعد) هنا مزيدة للتأكيد على رأي الأخفش وابن مالك من عدم انحصار زيادة (مِن) في خصوص جرّ النكرة بعد نفي وشبهه، أو هي للابتداء عند الجمهور وهو ابتداء صُوري يساوي معنى التأكيد ولذلك لم يؤت بـ (من) في قوله تعالى: { لكي لا يعلم بعد علم شيئاً } في [سورة النحل: 70].

والآيتان بمعنى واحد فذكر (مِن) هنا تفنّن في سياق العبرتين".


وذروا ظاهر الإثم وباطنه

 

قال الله تعالى: { وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } سورة الأنعام: 120.

ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: {وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } أي نكاح ما نكح الآباء ونحوه والزنا بالأجنبيات، أو الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخدان.

 

لكن الأصح أن يقال في قوله تعالى:( وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ  ): بأن هذا النهي عام؛ لأنه لا يجوز تخصيص اللفظ العام من غير دليل، فهذا النهي عام في جميع المحرمات من جميع جهاته، وذلك كما يقال: ما أخذت من هذا المال قليلاً ولا كثيراً، تريد ما أخذت منه بوجه من الوجوه.

 

والمقصود من هذين الوصفين ( ظاهر الإثم وباطنه ) تعميم أفراد الإثم لانحصارها في هذين الوصفين، كما يقال: المَشرق والمغرب والبَرّ والبحر، لقصد استغراق الجهات.

أو أن يقال: ( ظاهر الإثم ) يقصد به المعاصي التي تقترف بالجوارح ( وباطنه ) أفعال القلوب من الحقد والحسد والبغضاء والكبر والرياء وغير ذلك مما يعقد القلب على مخالفة أمر الله سبحانه وتعالى.

 

أو يقال: ( ظاهر الإثم ) أي ظاهر الحرمة، فإن الحلال بيّن والحرام بيّن ( وباطنه ) أي كل ما فيه شبهة، لقوله صلى الله عليه وسلم: " وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام".

 

أو يقال: (ظاهر الإثم) ما يراه النّاس، (وباطنُه) ما لا يطّلع عليه النّاس ويقع في السر.

( إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ ) أظهر لفظ (الإثم ) هنا في مقام إضماره إذ لم يقل: " إنّ الّذين يكسبونه" وذلك لزيادة التّنديد بالإثم، وليستقرّ في ذهن السّامع أكمل استقرار، ولتكون الجملة مستقلّة فتسير مسير الأمثال والحكم.

 

ولما كان العاقل من خاف من مطلق الجزاء بُني للمفعول قوله { سيُجزَون } أي بوعد لا خلف فيه.

وحرف السّين، الموضوع للخبر المستقبل، مستعمل هنا في تحقّق الوقوع واستمراره.

وقوله ( يقترفون ) بصيغة الافتعال، للدلالة على أن أفعال الشر إنما تكون بالمحاولة ومعالجة من النفس للفطرة الأولى السليمة، وهذه الصيغة تدل على المبالغة في الفعل إذ زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، والمقصود كثرة الاقتراف.

 

وجاء في المذنبين فعلُ (يكسبون) المتعدي إلى (الإثم)، لأنّ الكسب يعمّ الخير والشرّ.

 

وجاء في صلة جَزائهم بفعل (يقترفون) ولم يذكر مفعولاً؛ لأنّه لا يكون إلاّ في اكتساب الشرّ، ولم يقل: "سيُجزْون بما كانوا يكسبون" لقصد تأكيد معنى الإثم، لأنّ الاقتراف إذا أطلق فالمراد به اكتساب الإثم كما في قوله تعالى: { وليقترفوا ما هم مقترفون } [سورة الأنعام: 113].


تم بتوفيق الله عز وجل صدور كتاب: ( القراءات المعاصرة للقرآن الكريم في ضوء ضوابط التفسير)

عن دار اليمان للطباعة والنشر والتوزيع بسوريا.

وهو في أصله رسالة دكتوراه قدمتها لكلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ جامعة الجنان ـ طرابلس لبنان.
والكتاب بتقديم :

الأستاذ الدكتور : أبو لبابة الطاهر صالح حسين رئيس جامعة الزيتونة سابقاً والأستاذ في جامعة الإمارات العربية المتحدة.
والدكتور : عبد العزيز بن علي الحربي أستاذ القراءات والتفسير بجامعة أم القرى بمكة المكرمة ومدير مركز إحياء التراث الإسلامي.

لطلب الكتاب يرجى الاتصال على  00966503122935 / أو Alyaman73@hotmail.com

 




أنت الزائر رقم


ï»؟